عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
85
اللباب في علوم الكتاب
« يبخلون » وفي القراءة بالتاء حذفت البخل قبل إتيان « يبخلون » وجعلت ما في صلة « الذين » تفسير ما قبل الصلة ، فالقراءتان متوازيتان في القوة والضّعف » . والميراث : مصدر كالميعاد ، وياؤه منقلبة عن واو ، لانكسار ما قبلها - وهي ساكنة - لأنها من الوراثة كالميقات والميزان - من الوقت والوزن - وقرأ أبو عمرو وابن كثير « يعملون » بالغيبة ، جريا على قوله : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ « 1 » - والباقون بالخطاب ، وفيها وجهان : أحدهما : أنه التفات ، فالمراد : الذين يبخلون . الثاني : أنه ردّ على قوله : وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا . فصل [ في دلالة هذه الآية ] فصل الآية دالّة على ذمّ البخل بشيء من الخيرات سواء كان مالا أو علما . فإن كان على البخل بالمال فالمعنى : لا يحسبن البخلاء أن بخلهم هو خير لهم ، بل هو شرّ لهم ، لأن المال يزول ، ويبقي عقاب بخلهم عليهم ، كما قال : سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وهذا هو المراد من قوله : وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال ابن مسعود وابن عباس ، وأبو وائل والشعبيّ والسّدّي : يجعل ما منعه من الزكاة حيّة يطوّق بها في عنقه يوم القيامة تنهشه من رأسه إلى قدمه « 2 » . وإن كان المراد البخل بالعلم ؛ فلأنّ اليهود كانوا يكتمون نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فكان ذلك الكتمان بخلا ، ولا شك أن العلم فضل من اللّه . والقول الأول أولى ؛ لقوله تعالى : سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وإذا فسّرنا الآية بالعلم احتجنا إلى تحمّل المجاز ، وإذا فسّرناها بالمال لم نحتج إلى المجاز . وأيضا فالحمل على البخل بالمال تكون الآية ترغيبا في بذل المال في الجهاد ، فيحسن نظم الآية مع ما قبلها ، وبحملها على البخل بالعلم ينقطع النّظم إلا بتكلّف بعيد .
--> ( 1 ) انظر : السبعة 220 ، والحجة 3 / 113 ، وإعراب القراءات 1 / 124 ، وحجة القراءات 184 ، والعنوان 82 ، وإتحاف 1 / 496 ، وشرح شعلة 327 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 436 ) والحاكم ( 2 / 298 - 299 ) عن عبد اللّه بن مسعود موقوفا . وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي . والأثر ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 185 ) وزاد نسبته للفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وعبد اللّه بن أحمد في « زوائد الزهد » وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني . وذكره أيضا الهيثمي في « مجمع الزوائد » ( 6 / 329 ) وقال : رواه الدارقطني بأسانيد ورجال أحدها ثقات .